المطر لم يتوقف يتجاذب مع كل شيء، والريح مازال صوته مرتفعا، تناغم عجيب بين حالة الفوضى وبين الحنين لتلك الأشياء التي لم تدرك بعد. مازال المطر يتدفق لكنه أصبح أكثر قوة، له رنين خاص به، يعرفه الهاربين من فوضى الحواس، وصرخات الذات اللهفة الباحثة عن المعنى والسر في هذا الوجود الكبير.
خالد يطيل النظر من خلف نافذته الكبيرة، يمتلك مطلا جميلا فوق أعلى قمة في هضبة متوسطة الارتفاع اختار منزله بعناية بعد طول غياب عن الوطن، ورغم تنقلاته لدول عدة واستقراره هناك بسبب طبيعة عمله، لم ينس حنينه لأرض الوطن. اليوم خالد يبلغ من العمر 65 سنة، يضحك على نفسه، ويتحدث معها، ما فلسفتك على هذا الصباح يا خالد؟
سنة أخرى تجدد هذه الفوضى من المشاعر المزدحمة، يجادل نفسه ومن يكترث، ومن يسمع تلك الحوارات الساخطة يبتسم مرة أخرى ويتأمل حال المطر لحظة سقوطه على أوراق تلك الشجر، كل شيء يبتسم، كل شيء يزيد لمعانا وبهجة، حتى كراسي حديقته بدأت أكثر إشراقا من أي يوم مضى، ومياه المسبح بدأت تتناغم ذات اليمين واليسار مع قوة المطر، كل شيء يتحرك، إلا هو مازال عالقا بالقرب من هذه النافذة.
المنظر أمامه غريب يذكره بشيء يشبهه، شيء يلمس حواسه المنفعلة المضطربة، يتوارد داخله سؤال أتخاف العمر يا خالد؟ يحاور نفسه.. بالجواب لا!.
لكن هناك شيء يجذبني لهذا المطر اليوم صوته مختلف، وكأنه أجراس الكنائس وأصوات المآذن وإيقاع الصوفيين في حلقاتهم الدائرية، يبتعد عن النافذة، ويكتب عبارة ما على ورقة جانبية، ثم يفتح القرآن ويقرأ سورة مريم حتى توقف عند الآية: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) يتأمل الآية و يردد مع نفسه، الله يأمرنا بالحركة وبالسعي؛ لكي نحصل على الثمار وعلى البركة، فلماذا تخاف العمر يا خالد؟ جوابه هذه المرة جاء حازما وصريحا مختلفا عن المرة الأولى: أنت تخاف الوحدة، تخاف الوحدة..
يرن هاتف خالد، يبحث عنه ليجده على طاولته البيضاء بقرب كتبه المتناثرة، أهلا أحمد: نورت المدينة بعد طول غياب..
خالد: وكأني اكتشفها الآن.
أحمد: تكتشفها هي، أم تقصد أنك تكتشف نفسك!
خالد: كيف عرفت ما يدور في صدري؟
أحمد: كنت فقط أمازحك يا صديقي.
خالد: يتمتم بضحكة ساخرة، ولماذا لا تأتي ونتحدث وجها لوجه؟ أشعر اليوم برغبة كبيرة للحديث.
أحمد: ممتاز، لكن بشرط! أريد قهوة تركية من يديك، لا من يد الخادم.
خالد: لك ذلك، لحظة وصولك ستكون جاهزة، لا تستطيل الحديث، واستعجل قبل أن يتبخر الكلام من عقلي اليوم.. يضحكان معا.
يقرر خالد فتح النافذة، واستنشاق رائحة المطر، تمتلئ رئته بهواء نقي يعيد ترتيب داخله بشكل عجيب، يتذكر الآية لا يعرف ما السر الذي ارتبط بعقله، لكنه يشعر بالامتنان، يشعر بالهواء يتدفق مرة أخرى في كل أنحاء جسده، يقرر فتح النافذة الأخرى، بدأت الستائر تتمايل أيضا مع هبات الريح، يلاحظ بأن الريح أصبح أهدأ وألطف.
يتذكر أيام لندن وأصوات الأصدقاء العابرين، ورائحة الكافي المتناثرة على الطريق، يحن لتلك الأشجان والأحاديث العميقة من الفلسفة للتاريخ، يضحك خالد، لم يبق شيء لم نتحدث عنه ألا أنفسنا!
نعم تحدثنا عن كل شيء إلا عن أنفسنا، وكأننا مغيبين بين سيطرة الكتب وقصص القادة والحروب والصراعات، لكننا لم نتذكر أرواحنا وهي تصرخ وتستنجد الهدوء، لم نعطها تلك الفرصة، ربما صوت المطر هو الحنين لنفسي، وكأنه رداء أتلحف به، ألمس دفئه وغسله لكل ما في قلبي، نعم هو ليس شعور الوحدة لا، هو نداء الروح الخفي يريد أن يظهر ويعبر ويتناغم مع كل حبات المطر.
يتوقف خالد عن هذا الاسترسال ليسمع صوت الجرس، يتذكر صديقة أحمد ثم ينهض مسرعا نحو الباب، خطواته أصبحت رشيقة متناغمة مع المطر.
يحتضن أحمد بقوة، يضحك أحمد، لم كل هذا الشوق يا صديقي؟ بالأمس كنت معك!
خالد: أريد أن تعرف كم أحبك.
أحمد يطيل النظر لخالد: بسم الله عليك، أكنت تحلم أم ماذا؟!
خالد: لا، لكن كم من الوقت يمضي ونحن لا نعبر عن محبتنا لبعضنا!، لماذا دائما نضع الحواجز بيننا، أو لا بد أن تكون هناك مناسبة معينة، ألا تتفق معي؟
أحمد: صحيح بالعكس، أتفق معك جدا.
خالد: اكتشفت يا صديقي أننا مكبلون بالكتب والقصص التي لا تعنينا، ونسينا طوال تلك السنين أنفسنا حتى أصبح كل واحد فينا غريبا عن نفسه، أصبحنا نتخذ عدة صور، لكنها ليست صورنا، هي لا تمثلنا أبدا.. ألم يحن الوقت بالتوقف وأن نتأمل هذا المطر!
صوت المطر غسل روحي اليوم، وجعلني عاريا تماما عن تلك الأقنعة التي أرتديتها سنوات عمري، بدايتي اليوم كان شعور غريب، شعور الوحدة.
